to all

Friday, April 01, 2005

هارى بوتر

أحدثت ظاهرة هارى بوتر صخبا كبيرا فى عالم أدب الأطفال وصناعة الترفيه وجدل الأفكار السياسية. وتحكى سلسلة الكتب - التى تحول اثنان منها حتى الآن إلى فيلمين - عن قصة طفل إنجليزى يتيم هو هارى بوتر يكتشف أنه ساحر وأن أبويه المتوفيين كانا ساحرين وماتا وهما يدافعان عنه، وعن العالم ضد قوى السحر الشرير، ويرث بوتر فى مغامراته هذا العداء وهذه المهمة التى يتم إعداده لها فى مدرسة للسحر يعيش فيها أقرانه من الأطفال السحرة، وبعض المخلوقات الأسطورية المستوحاة من تراث أدب الأطفال الإنجليزى.
أرقام قياسية
وقد حققت سلسلة الكتب نجاحا مذهلا، حولها إلى ظاهرة عالمية، فقد بيع من الكتب الأربعة الأولى فى السلسلة أكثر من 200 مليون نسخة فى 200 دولة حول العالم، كما تمت ترجمة القصص إلى 55 لغة. وأصبح الكتاب الخامس فى السلسلة هارى بوتر والعنقاء على رأس قائمة المبيعات فى الولايات المتحدة وبريطانيا لحظة طرحه فى الأسواق، بعد منتصف ليل الجمعة 21 يونيو الماضى، وبيع منه فى اليوم الأول لطرحه 5,8 مليون نسخة، وطبع منه فى الأسبوعين التاليين على طرحه فى الأسواق ما يزيد عن 9 ملايين نسخة، بالإضافة إلى أكثر من مليون نسخة تم طلبها عن طريق الإنترنت وهو رقم قياسى جديد فى مبيعات الكتب عبر الإنترنت. وفى فرنسا لم ينتظر الأطفال النسخة الفرنسية المتوقع طرحها فى ديسمبر القادم وأصبحت النسخة الإنجليزية للكتاب الأكثر مبيعا للعام الحالى، وهى أول مرة فى تاريخ فرنسا يتصدر كتاب إنجليزى قائمة مبيعات الكتب.
وأعادت ظاهرة مبيعات كتب هارى بوتر، القراءة إلى عرشها المفقود خاصة فى فئة الأطفال ما قبل سن المراهقة preteens والتى تعانى دوما من إهمال الأدب والفن عموما باعتبارها تقع فى مرحلة وسطا بين الطفولة والمراهقة، فسدت سلسلة الكتب هذا الفراغ، وأصبحت المكتبات ودور النشر تعج بصفوف الانتظار حتى أوقات متأخرة من الليل، حتى أن معدل مبيعات الكتب وفقا لبعض الموزعين فى الولايات المتحدة وبريطانيا قد بلغ 80 نسخة فى الثانية فى الأيام الأولى لطرح الكتاب الخامس فى السلسلة. كذلك يشهد الكتاب إقبالا كبيرا فى مختلف الدول الأوروبية مثل ألمانيا التى سوف تطرح النسخة الألمانية للكتاب بها فى أكتوبر القادم، وبعض الدول الأسيوية كالصين التى بيع فيها عشرة آلاف نسخة من الطبعة الإنجليزية للكتاب الخامس فى الأيام القليلة الماضية رغم صعوبات اللغة.
وامتدت ظاهرة هارى بوتر إلى عالم صناعة السينما والترفيه ولعب الأطفال، باحتكار العملاق الاقتصادى تايم وورنر براذرز الاستغلال الفنى لعلامة هارى بوتر، وتم تحويل الكتابين الأول والثانى إلى أفلام سينمائية أنتجتها استوديوهات وارنر، وحقق عرضها السينمائى أرباحا خيالية، حيث حصد الفيلم الأول هارى بوتر وحجر الفيلسوف أرباحا قدرت بمليار دولار، مما وضعه فى المركز التالى مباشرة لفيلم تايتانيك الذى أنتجته شركة باراماونت فوكس الأمريكية عام 1997 وحقق أعلى أرباح فى تاريخ السينما. وبالإضافة إلى أرباح العرض السينمائى للأفلام فى مختلف دول العالم، تحصل الشركة على أرباح طائلة من مبيعات الفيديو والسى دى التى بلغت بدورها مليار دولار فى الأشهر القليلة التالية على طرح دى فى دى DVD الفيلم الأول فى الأسواق عام 2002.
كراهية بوتر
على الجانب الآخر من هذا النجاح المذهل وغير المسبوق لكتب وأفلام ومنتجات هارى بوتر، أثارت الظاهرة جدلا واسعا وانتقادات شديدة من ألوان شتى من الاتجاهات السياسية والثقافية فى شتى بقاع الأرض، ولكن بدرجة أكبر فى الولايات المتحدة وبريطانيا واستراليا. فكما احتلت سلسلة هارى بوتر رأس قائمة مبيعات الكتب فى الولايات المتحدة، فقد أتت السلسلة أيضا على رأس قائمة كتب عشرة قدمت بشأنها شكاوى مكتوبة فى المكتبات العامة والمدارس وطالبت الأسر الأمريكية بعدم إدراجها فى مكتبات المدارس وفقا للجمعية الأمريكية للمكتبات عام 2000.
وتدور معظم الانتقادات الموجهة إلى شخصية وقصص هارى بوتر حول الأبعاد الدينية، السياسية والاقتصادية التى تثيرها الظاهرة. وتعتبر الانتقادات الدينية المبنية على تحريم السحر والممارسات السحرية هى الأكثر شيوعا، فقد قامت بعض التجمعات الدينية فى كنيسة ألامو جوردو فى ولاية نيو مكسيكو بتنظيم تجمع للأطفال قامت فيه بحرق كتب وأفلام ولعب هارى بوتر فى العام الماضى لاتهام السلسلة بمنافاة الدين وممارسة السحر المحرم دينيا.
وفى عام 2001 قامت 60 مدرسة تابعة لكنيسة اليوم السابع فى استراليا بحظر الكتاب، كما حاولت منظمة ثقافية منع دخول سلسلة الكتب إلى روسيا، وقامت 13 ولاية من الولايات الأمريكية بمحاولات مماثلة لمنع إدراج الكتب فى مكتبات المدارس. وفى الإمارات العربية المتحدة قامت المدارس الخاصة بمنع إدراج الكتب فى المكتبات المدرسية، بعد صدور قرار من وزارة التعليم والشباب يعتبر القصص منافية للتعاليم الإسلامية.
أما فى بريطانيا موطن المؤلفة وأبطال الأفلام والملهم لكافة الأحداث، فقد أنشئ مؤخرا خط تليفونى لتسجيل الانتقادات لقصص هارى بوتر، وقد تم مد خط كراهية بوتر لكل من ألمانيا وسويسرا بناء على طلب الرأى العام. وينوى صاحب فكرة إنشاء الخط التليفونى طباعة كافة الرسائل فيه فى كتاب شامل يخصص لنقد هارى بوتر.
المختارون
من ناحية ثانية، وعلى الرغم من أن الرسالة السياسية فى سلسلة الكتب والأفلام أقل وضوحا من مثيلاتها فى أفلام أطفال أخرى شهيرة مثل بوكاهونتاس وأنتزى، فقد وجهت انتقادات للمحتوى السياسى لقصة هارى بوتر وعالم السحرة الافتراضى، تراوحت بين اتهام المؤلفة بترويج القيم الفاشية، إلى تسويق السلطوية والأبوية السياسية.
وفى هذا السياق انتقدت مكانة بوتر البطولية المبنية على الأرستقراطية أو المولد النبيل والجنس النقى والسلالة المميزة التى ينحدر منها هارى بوتر، بالإضافة إلى مجتمع السحرة بوجه عام كفئة مميزة ذات قدرات خاصة تحصل عليها بحكم المولد وليس عن طريق اجتهاد أو عمل بعينه، باعتبارها ترويجا للقيم الفاشية. حيث تقوم فكرة القصة بداية على شخص وفئة مختارة chosen one، وينسحب هذا التميز تلقائيا على هارى بوتر بشكل خاص وكل فئة السحرة بشكل عام.
كذلك لا يوجد فى مدرسة السحر المتعالية على البشر العاديين ويطلق عليهم فى القصص والأفلام اسم ماجلز muggles أجناس بشرية أخرى سوى الجنس الأبيض المتسيد، فلا يوجد زنوج أو هنود أو عرب أو لاتين أو غيرهم من الأجناس والأعراق بخلاف العرق الأنجلو ساكسونى، كذلك لا يوجد فى مدرسة السحر معاقون حركيا على سبيل المثال وهو ما يدعم من جديد اتهام القصة بالفاشية وبالتركيز على عنصر مميز وتجاهل وجود العناصر الأخرى.
فى نفس السياق اتهمت القصة بالعنصرية والتسامح مع قيم العبودية بسبب التنظيم الاجتماعى فى مدرسة السحر والذى يقنن الوضع المتدنى للأجناس غير البشرية وهى فى هذه الحالة أقزام الجان المعروفة فى قصص أدب الأطفال الانجليزى House Elves، حيث تؤكد القصص أن هذه الفئة مخصصة للخدمة وسعيدة بهذا التنظيم الاجتماعى ولا تسعى لتصحيحه أو تغييره لأنه ملائم لطبيعتها.
كما تتهم القصة من قبل بعض الاتجاهات السياسية الليبرالية وما بعد الحداثية على السواء بتسويق أفكار سياسية معيبة خاصة النزعة الفردانية للسلطة باعتبارها سلطة طبيعية، أو حكيمة، أو طيبة من خلال شخصية كبير السحرة دامبلدور فى القصة والذى يعتبر مثالا للمستبد الحكيم، مما يروج لأفكار شخصنة القوة وضرورة قيادة المستبد الحكيم فى المواجهة التبسيطية بين الخير والشر.
عالم البيزنس
وإلى جانب الاتهامات الموجهة للمحتوى الأخلاقى والأفكار السياسية لقصص هارى بوتر، تتهم الظاهرة بأنها تجسيد للرأسمالية الجشعة والاحتكار الاقتصادى فى ظل العولمة، استنادا إلى أن الفارق يكاد ينعدم بين الظاهرة الفنية والاستغلال الاقتصادى الاحتكارى لها عبر العالم، فقد تحولت المؤلفة الإنجليزية لسلسة الكتب من أرملة تعيش على معونات الدولة، إلى المرأة الأكثر ثراء فى بريطانيا حاليا، وتتعدى أرباحها السنوية من مبيعات الكتب والأفلام واستغلال علامة هارى بوتر حوالى 48 مليون جنيه استرلينى.
فى نفس الوقت تحقق شركة تايم وورنر براذرز التى تحتكر علامة هارى بوتر أرباحا خيالية من الاستغلال الاقتصادى الاحتكارى والحق فى منح تراخيص استغلال القصة أو أبطالها أو المنتجات ذات الصلة بها فى كافة فروع صناعات لعب الأطفال ومستلزمات الكمبيوتر والبرامج الإلكترونية. وحتى الآن منحت الشركة حوالى 80 رخصة استغلال لمنتج بوتر، وظهرت فى الأسواق عبر العالم 2000 منتج فى عالم صناعة لعب الأطفال الترفيه تحمل اسم أو ملامح قصص هارى بوتر وأبطالها أو أحداثها.
ومن أهم الشركات المتعاقدة على استغلال ماركة هارى بوتر شركة ماتيل للعب الأطفال صاحبة الدمية الشهيرة باربى، وشركة ليجو للعب الأطفال التى تنتج المكعبات الشهيرة بنفس الإسم، وشركة إليكترونيك أرتز للفيديو جيمز. وقد قدرت أرباح مبيعات منتجات هارى بوتر -بخلاف مبيعات الكتب وأرباح الأفلام- بما يزيد عن بليون دولار حتى نهاية عام 2002، ربحتها شبكات للمال والأعمال التى تستفيد من إعجاب الأطفال حول العالم بمغامرات الساحر الصغير.
ومن المفارقات الهامة لظاهرة بوتر فى عالم البيزنس، الملاحقة القضائية التى تقوم بها المؤلفة الإنجليزية للسلسلة جى كى رولينج للنسخ المقلدة من هارى بوتر، وهى نسخ غير مقرصنة من القصة الأصلية ولكنها أشباه متفاوتة من شخصية الساحر الطفل، بملامح وأسماء وطنية قريبة من إسم هارى بوتر، ظهرت فى روسيا والهند والصين وغيرها، وتنسج أحداثها مستفيدة من أبطال القصة الأصلية ولكن بملامح وأحداث مستقاة من التراث الوطنى مثل هارى بوتر فى كلكتا الهندية، وهى قصة هندية يقابل فيها هارى بوتر رموز تراث الأساطير الهندى. وقد تمكنت المؤلفة ومستشاروها القانونيون مؤخرا من الحصول على حكم قضائى فى هولنده يمنع دار النشر الهولندية من طبع وتوزيع قصة تانيا جروتر الشبيهة الروسية لبوتر.
وأخيرا فإن هارى بوتر التى بدأت كسلسلة لكتب الأطفال فى بريطانيا ثم تحولت لظاهرة عالمية، هى حلقة جديدة فى سلسلة الظواهر والأحداث التى تتناقص فيها الحدود بين الوطنى والعالمى، وبين السياسى والاقتصادى والثقافى والفنى. وربما ما يميز هارى بوتر هو هذه المبيعات الجنونية، فضلا عن أن بطل الظاهرة وجمهورها من الأطفال.

0 Comments:

Post a Comment

<< Home