to all

Saturday, March 26, 2005

- البرلمان قاعدة النظام الديمقراطى:

لقد أصبحت الديمقراطية اليوم من سمات الدولة الحديثة، كما يعتبر البرلمان من أهم معالم المجتمع الديمقراطى، لأنه تجسيد لقيم السيادة الشعبية، والحرية والمساواة والمشاركة السياسية.
لقد ظهرت الديمقراطية فى بادئ أمرها كدعوة الى محاربة الحكم الاستبدادى المطلق، بيد أنها استقرت وتطورت الى نظام للحكم، وطريقة لتمكين الشعب من ممارسة السيادة على مقدراته.

كما تشير فكرة الديمقراطية الى إشراك الشعب فى صياغة نمط حياته من خلال توجيه السياسة والتأثير فى عملية الحكم بأوسع معانيها، وهكذا، أصبحت تشير الى المساواة فى الحقوق السياسية لأفراد الشعب من ناحية، وضرورة رضاء هذا الشعب عن نظام الحكم من ناحية أخرى، وحقه فى اختيار ممثليه من ناحية ثالثة.
كما تطورت فكرة الديمقراطية ذاتها وأصبحت أكثر نضوجا، بحيث لا تتعارض مع قيم الحرية والمساواة مع حقائق الاختلاف والتمايز بين المواطنين.

فالمقصود بالمساواة هو المساواة القانونية، التى لا تنكر الاختلاف بين الأفراد فى المواهب والقدرات، وتقبل التمايز بينهم من حيث الفضيلة والموهبة، وتساوى بينهم فى التمتع بالحقوق والحريات التى يكفلها الدستور والقانون.

أما الحرية فى إطار الديمقراطية، فليست هى الحرية المطلقة، وإلا أدت الى الفوضى، وإنما هى الحرية المنظمة، التى تتولى السلطة تنظيمها بشكل يسمح لكل مواطن بممارسة حريته دون تصادم مع ممارسة الآخرين لحرياتهم.
كذلك، فإن الديمقراطية تعتبر المشاركة فى الحياة السياسية حقا لكل مواطن، يسهم من خلاله فى التأثير فى نظام الحكم، حتى يكون القرار فى النهاية نتاج مشاركة جماهيرية حقيقية وليس تعبيرا عن إرادة القلة المسيطرة سياسيا.

وقد أصبحت هذه المشاركة ترتبط بشكل وثيق بتعدد الأحزاب السياسية، التى تتنافس للوصول الى السلطة، من خلال إقناع الناخبين والحصول على ثقتهم وتأييدهم، فيفوز بعضها بالأغلبية ويمارس الحكم، ويظل الآخر أقلية، يمثل المعارضة..، كل هذا وفقا لاختيار الشعب، ومن خلال انتخابات دورية تتم فى مناخ من الحرية السياسية، لأن الخائف على حريته لا قيمة لرأيه ولا وزن لكلمته وبالتالى تكون مشاركته السياسية غير مجدية.

ولهذا، فإن البرلمانات هى قاعدة النظام الديمقراطى المعاصر، وذلك لعدة أسباب:
أولا، أن البرلمان هو المؤسسة الأكثر ارتباطا بالجمهور وانفتاحا عليه، حيث تدور مناقشاته على تنوعها فى مناخ من الشفافية والعلنية، على الأقل إذا قورن بالسلطة التنفيذية، بل وكذلك السلطة القضائية التى تتخذ قراراتها وتمارس مداولاتها سرا. بعبارة أخرى، فإن السمة المميزة للبرلمان كأحد مؤسسات الحكم الديمقراطى هى أن مناقشاته تكون معروضة أمام الجمهور.
وثانيا، أن البرلمان هو المؤسسة الوحيدة فى نظام الحكم التى تجمع بين وظيفتين رئيسيتين، فهو هيكل نيابى يعبر عن مشاعر وآراء المواطنين، كما أنه من ناحية أخرى آلية تشريعية، تصنع القوانين التى تحكم الدولة بأسرها. ولعل اجتماع هاتين الوظيفتين فى البرلمان هو مصدر أهميته الفريدة بين مؤسسات النظام الديمقراطى.
وثالثا، أن البرلمانات هى المؤسسات التمثيلية الأساسية فى الدولة. فلقد تطورت البرلمانات عبر فترة طويلة، حتى أصبحت الإطار الرئيسى لتمثيل المجتمع فى هيكل السلطة الحاكمة. وقد ارتبط بذلك قيام البرلمان بدور هام فى مجال الوعى السياسى وخلق رأى عام فى مواجهة السلطة الفردية المطلقة. ولا شك فى أن الوظيفة التمثيلية كانت وما تزال الوظيفة الأساسية للبرلمان، حتى بعد إضافة وظائف أخرى له فيما يتعلق بصنع السياسة أو إصدار القانون، وغيرها.
ورابعا، أن البرلمان هو المؤسسة الحكومية الوحيدة التى تضم عددا كبيرا من الأعضاء، بما يفوق المؤسسة التنفيذية، أى عدد الوزراء. كما أن أعضاء البرلمان أكثر تنوعا من بقية أعضاء السلطتين التنفيذية والقضائية معا، وذلك من الناحية السياسية والحزبية، وأيضا الانتماء الى المناطق الجغرافية والثقافات المحلية المختلفة فى المجتمع.
وخامسا وهو السمة الرئيسية فى تكوين البرلمان، أنه يعتمد على آلية الانتخاب، ولاسيما بعد إلغاء الشروط التى قيدت حق الانتخاب والترشيح فى مختلف أنحاء العالم. فعندما بدأ تطبيق حق الانتخاب كان محصورا فى فئة متميزة من المواطنين الذين يدفعون حداً أدنى من الضرائب. وهذا النصاب المالى جعل حق الانتخاب محدودا فى البداية ثم أخذ يتسع تدريجياً نتيجة التوسع فى الاستثناء منه لفئات مهنية مختلفة، وكذلك بسبب التخفيض المستمر فى هذا النصاب الى أن تم الغاؤه ابتداءً من مطلع القرن العشرين.
كما كان حق الانتخاب مقصوراً فى البداية على الرجال دون النساء. وتأخر حصول المرأة على حقها الانتخابى فى البلاد الديمقراطية الى النصف الأول من القرن العشرين أيضا.
وسادسا، أن البرلمانات عموما تتميز عن غيرها من سلطات الحكم بأنها تعمل فى إطار قاعدة المساواة بين أعضائها، أغلبية ومعارضة، معينين أو منتخبين، فيما يسمى الطابع المساواتى للبرلمان.
فإذا كانت السلطة التنفيذية تتسم بوجود رئيس واحد لأعضائها (رئيس الدولة أو رئيس الوزراء، أو الوزير الأول) فإن البرلمانات تتميز بأنها مؤسسات جماعية، تضم نوابا متساوين، سواء فى طريقة الانتخاب أو فى صفتهم النيابية، أو حقوقهم وواجباتهم البرلمانية.
ولهذا، يتسم نظام صنع القرار البرلمانى بآلية الاتفاق الجماعى بين أعضائه. وحتى رئيس البرلمان فيكون بالانتخاب الداخلى، واختصاصه تنظيمى فى المقام الأول، ليتحدث بإسم البرلمان وينظم عمله ولا يتميز فالحقوق والواجبات البرلمانية عن سائر الأعضاء، أى أنه رئيس للبرلمان وليس رئيساً للأعضاء. بعبارة أخرى، فبينما يوجد فى السلطة التنفيذية، مثلا، رئيس للوزراء فلا يوجد فى البرلمان رئيس للنواب.

هذه الخصائص التكوينية الست للبرلمان هى التى تميزه عن غيره من مؤسسات الحكم فى النظام الديمقراطى.
وبالرغم من أن المؤسسات الأخرى قد تشارك البرلمان فى بعض تلك الخصائص، فإنها لا تتمتع بها مجتمعة. فعلى سبيل المثال، نجد أن السلطة التنفيذية قد تتشابه مع البرلمان من حيث تكوينها بالانتخاب المباشر من قبل المواطنين، ولكنها لا تتسم بالخصائص الأخرى للبرلمان، كالطابع المساواتى.

كذلك الأمر بالنسبة للسلطة القضائية، حيث قد تتشابه مع البرلمان من حيث إمكانية تكوينها فى بعض المستويات القضائية بالانتخاب، وكذلك بالطابع المساواتى بين أعضائها، ولكنها تفتقد لبعض الخصائص الأخرى للبرلمان، مثل الطابع التمثيلى للمناطق الجغرافية وتعبيره عن التيارات السياسية المتعددة فى المجتمع.

2- البرلمان هيئة لتمثيل المواطنين فى الحكم:

إذا كانت المشاركة ركيزة أساسية للديمقراطية، فإن السؤال الذى يطرح نفسه هو: كيف يشارك الشعب؟، هل يشارك بنفسه فى الحكم، وبطريقة مباشرة، أى دون وسيط؟ أم يكتفى باختيار نواب عنه ليمارسوا تلك المشاركة؟
وفى الحقيقة، شهد التطور السياسى فى العالم مختلف هذه الصور للمشاركة السياسية، فى مراحل متعددة من التطور الديمقراطى، فيما يعرف بالديمقراطية المباشرة، وشبه المباشرة، وغير المباشرة، التى أصبحت الصورة الأكثر شيوعا لتحقيق المشاركة الشعبية فى الحكم.

فقد عرفت الحضارة اليونانية القديمة نوعا من الديمقراطية المباشرة، قام فيها المواطنون بالتعبير عن الإرادة الشعبية بطريقة مباشرة، واختيار الحكام، والتأثير على صناعة القرارات العامة. كما عرفت الحضارة الرومانية نموذجا مشابها لذلك، فيما عرف بإسم الإكليسيا أو المنتدى الرومانى.

ولكن هذا النوع من الديمقراطية لم يكن شعبيا فى الحقيقة، حيث اقتصرت حقوق المشاركة فيه، بل وصفة المواطنة أصلا، على مجموعة قليلة من النبلاء ونخبة الحكم. كما أن استمرار هذه الديمقراطية المباشرة أو تكرارها اليوم أصبح مستحيلا، بسبب ضخامة عدد المواطنين الذين يتمتعون بالحقوق السياسية واستحالة جمعهم فى مكان واحد للبت فى الشئون العامة من جانب، وتعقد الحياة الاجتماعية وظهور ما يعرف بالمجتمع الجماهيرى من جانب آخر، بالإضافة الى أن وظائف الدولة فى الوقت الحاضر قد تعددت وتشعبت وأصبح الحكم من الأمور المعقدة.

ولنفس الأسباب، فإن الديمقراطية شبه المباشرة لم تعد ذات طابع عملى اليوم، وربما يقتصر تطبيقها فى أحد مظاهرها وهو الاستفتاء الشعبى العام، سواء على شخص الحاكم أو للتصديق على الدساتير والقوانين والمعاهدات الدولية.

لكل هذا، كان لابد من اللجوء الى الديمقراطية غير المباشرة أو النيابية وهى الشكل السائد اليوم للنظام الديمقراطى.
وفى هذه الصورة من صور الديمقراطية، لا يباشر الشعب سيادته بنفسه وإنما بواسطة نواب عنه، يمارسون مهام النيابة بإسمه، ولمدة معينة، ثم يتجددون فى انتخابات دورية.

لهذا، فإن البرلمان أصبح الهيئة الأساسية التى تمثل المواطنين فى شئون الحكم، مع الاحتفاظ بالسيادة للشعب ذاته، لأن أعضاء البرلمان يباشرون سلطتهم تحت رقابة الرأى العام، وطالما حصلوا على ثقة الناخبين. بعبارة أخرى، فإن الكلمة فى نهاية الأمر هى كلمة الشعب، وتصبح الديمقراطية النيابية هى أكثر صور الديمقراطية استجابة للضرورات العملية فى تطور المجتمع.

3- اتساع القاعدة الشعبية للبرلمان :

مرت البرلمانات المعاصرة بالعديد من مراحل التطور، سواء من حيث الشكل والهيكل المؤسسى، أو من حيث قاعدتها الاجتماعية ومدى تمثيلها لمجموع الأفراد، وطابعها الجماهيرى.

فمن حيث الشكل أو الهيكل، انتقل البرلمان من كونه مجرد منتدى مؤقت، يعينه الملوك والأمراء وقتما يشاءون ويلغونه فى أى وقت، وأصبح مؤسسة دائمة وركنا من أركان الدولة الحديثة، وبصرف النظر عن حجم اختصاصاته القانونية أو تأثيره الفعلى فى الحياة السياسية، حتى أصبح من النادر اليوم أن نجد دولة بدون برلمان.

أكثر من هذا، فإن المجتمعات التى خضعت للوصاية أو الاستعمار الأجنبى أسست مجالس نيابية منتخبة لإدارة شئونها الداخلية وممارسة الحكم الذاتى (ومثال ذلك: هونج كونج قبل عودتها الى الصين، أو حتى الأراضى الفلسطينية الى حين إعلان الدولة الفلسطينية المستقلة).

ومن حيث تشكيل البرلمان، فقد انتقل من مرحلة التعيين الكامل لأعضائه بواسطة الحاكم، الى انتخاب البعض بواسطة المواطنين وتعيين البعض الآخر بواسطة الحاكم، ثم أصبح يتشكل كله بالانتخاب فى معظم الدول. وفى الدول التى لا يزال الحاكم فيها يقوم بتعيين عدد من أعضاء البرلمان، فإن عدد المعينين يعتبر محدودا بالمقارنة مع عدد المنتخبين. كذلك، فحتى فى هذه الحالة، فإن اختيار الحاكم لهؤلاء المعينين أصبح وسيلة لتحقيق توازنات سياسية عامة، وليس مجرد ميزة شخصية للحاكم، حيث يسعى الى استخدام سلطته فى تعيين بعض أعضاء البرلمان من أجل إتاحة فرصة معقولة لتمثيل بعض الفئات الاجتماعية، أو للاستفادة من خبرات بعض الرموز الاجتماعية والثقافية والشخصيات العلمية المتميزة لإثراء العمل البرلمانى ذاته.

وهناك علاقة واضحة بين طبيعة تشكيل البرلمان من ناحية واختصاصاته وسلطاته من ناحية أخرى، حيث يكون البرلمان المنتخب مؤسسة مستقلة، وصاحب سلطات حقيقية بينما تكون المجالس المعينة أقرب للهيئات الاستشارية، التى يقتصر دورها على مناقشة ما يراه الحاكم، وتقديم الآراء إليه، ليأخذ بها إن شاء، أو يتجاهلها تماما.

كذلك، ففى الدول التى يتكون فيها البرلمان من مجلسين، أحدهما يتشكل بالانتخاب والآخر يجمع بين الانتخاب والتعيين، فعادةً ما يكون المجلس المنتخب هو السلطة التشريعية والرقابية الأولى، بينما يكون المجلس المعين مساعدا له، وربما شريكا له فى بعض الاختصاصات، مثل مناقشة مشروعات القوانين، مع تمتع المجلس المنتخب بسلطات أكبر من المجلس المعين.

ومع هذا التطور فى تشكيل البرلمان واختصاصاته، انتقل من الناحية الاجتماعية من مجلس النخبة الى مجلس الجماهير.

فقد كان العديد من البرلمانات فى بدايتها عبارة عن مجالس قليلة العدد، تضم مجموعة محدودة من النخبة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وخصوصا من كبار الملاك والأعيان والنبلاء، ثم تطورت لتصبح مجالس شعبية، مفتوحة أمام كافة المواطنين، للانتخاب والترشيح، وبالتالى صارت مؤسسات جماهيرية.

ويشير التطور التاريخى الى أن انتقال البرلمان من تمثيل النخبة الى تمثيل الجماهير قد واجه خمسة مصاعب أو قيود أساسية على حق المواطنين فى الانتخاب والترشيح، استطاعت البرلمانات المعاصرة اجتياز معظمها، وإن كان ذلك بدرجات متفاوتة، تباينت المجتمعات فى طرق حلها وتوقيت ذلك الحل. وهذه القيود هى:

· المكانة الاجتماعية والثروة، حيث كان الترشيح لعضوية البرلمان قاصرا فى البداية على النبلاء وكبار الملاك والأعيان، كما كانت ممارسة حق الانتخاب مشروطة بنصاب مالى لم تستطع تقديمه إلا الطبقات الغنية أساسا كما سبقت الاشارة.
وقد تجاوزت برلمانات دول العالم المعاصر هذه العقبة، وأصبحت تقوم على حق الانتخاب والترشيح لكافة المواطنين، بصرف النظر عن المكانة الاجتماعية أو الثروة.

· السن، حيث كان حق الانتخاب والترشيح مرتبطا بسن معينة، بلغ أكثر من خمسة وثلاثين عاما، كما كان هذا القيد يزيد فى حالة الترشيح عنه فى حالة الانتخاب.
أما اليوم فإن حق الانتخاب أصبح مكفولا لكل من بلغ سن الرشد القانونية، وهى فى الأغلب ثمانية عشر عاما، كما أصبح حق الترشيح لعضوية البرلمان لكل من بلغ ثلاثين عاما، فى المتوسط، الأمر الذى أدى الى اتساع قاعدة الانتخاب والترشيح، وأضفى على البرلمان صفته الجماهيرية.

· النوع، حيث كانت معظم برلمانات العالم قاصرة على الرجال فقط، ولم يسمح للمرأة بممارسة حقوق الانتخاب أو الترشيح فى المجالس البرلمانية، أو فى غيرها من المؤسسات السياسية.
ولقد كان تجاوز ذلك القيد من أصعب مراحل تطور الحياة البرلمانية فى العالم، حتى أن المرأة لم تحصل على هذه الحقوق السياسية فى العديد من الدول الديمقراطية الغربية ذاتها إلا فى منتصف القرن العشرين.
وبرغم أن أغلب دول العالم المعاصر قد أقرت بمبدأ المساواة بين الرجل والمرأة فى الحقوق والواجبات، والمواطنة المتساوية لكل منهما، فإن بعض المجتمعات لا تزال تقيد تطبيق ذلك المبدأ، وبالتالى تقتصر عملية الانتخاب أو الترشيح للبرلمان أو كليهما على الرجال فقط.
وما من شك فى أن هذا القيد على مبدأ المواطنة، والطابع الجماهيرى للبرلمان يزول حثيثا فى بقية بقاع العالم مع انتشار أفكار المساواة والديمقراطية، وتغير منظومة التقاليد الاجتماعية وانتشار موجة التحديث (ولعل الجدل الدائر اليوم فى مجلس الأمة الكويتى خير دليل على ذلك، حيث صدر مرسوم أميرى يعطى المرأة تلك الحقوق، ولكن لم يتم التصديق عليه بعد فى مجلس الأمة، وربما يكون ذلك بداية لموجة مماثلة فى بقية أقطار الخليج العربى).

· الانتماء السياسى أو المذهبى، فمن الملاحظ أن بعض الدول ربما تقيد حق الانتخاب والترشيح لعضوية البرلمان بشروط سياسية أو مذهبية، ارتبطت فى معظمها بمرحلة معينة فى تاريخها السياسى.
ولم يكن ذلك مقصورا فى البلدان النامية أو التى تحررت من الاستعمار الأجنبى وحدها، وإنما عرفته الدول الغربية والمتقدمة أيضا. فعلى سبيل المثال، قد تلجأ الدولة بعد مرحلة ثورية الى تقييد الحقوق السياسية لبعض الفئات التى قامت الثورة للإطاحة بهم أصلا، أو للتخلص من سيطرتهم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.
ومن ناحية أخرى، فقد تفرض الدولة تلك القيود على بعض المواطنين بسبب ارتباطهم بأنظمة سابقة (مثل النازية والفاشية فى أوروبا)، أو نتيجة انخراطهم فى أنشطة معادية للدولة.
ومن ناحية أخرى، قد يكون تقييد تلك الحقوق بسبب الانتماء لمذهب فكرى أو سياسى محظور فى دستور الدولة وقوانينها، مثل الترويج لأفكار إلحادية فى مجتمعات تحترم الأديان، أو تبنى أفكار عنصرية معادية لمبادئ الحرية والإخاء والمساواة وحقوق الإنسان.
كذلك، فلم يقتصر هذا التقييد على دول بعينها، وإنما عرفته مختلف المجتمعات (ومثال ذلك التوتر الذى بين النمسا ودول الاتحاد الأوروبى فى بداية عام 2000 بسبب مشاركة حزب متطرف فى الحكم، وإعلان رئيسه لأفكار عنصرية، دفعت الكثير من الدول الديمقراطية والغربية الى التهديد بمقاطعة هذه الحكومة، وربما فرض عقوبات عليها، رغم أنها وصلت الى السلطة بطريق الانتخاب الحر).
وعلى كل الأحوال، فبرغم أن هذه القيود تحدّ من الطابع الجماهيرى للبرلمان، فإن بعضها يمكن تبريره لحماية الحقوق والحريات العامة وسلامة المجتمع ككل، كما أن الأغلب فى برلمانات العالم أن تكون معظم هذه القيود مؤقتة، أى لفترة محدودة.

· الجنسية، حيث تتباين برلمانات العالم فى اشتراط التمتع بالجنسية، ونوعها، لممارسة حق الانتخاب والترشيح.
وقد مرت البرلمانات بمرحلة كانت فيها المواطنة ميزة لبعض السكان دون غيرهم، الذين حرموا منها، مثل العامة وطبقة العبيد فى الحضارة اليونانية، وطبقة المنبوذين فى التاريخ الهندى، والسود فى جنوب أفريقيا خلال الحكم العنصرى.
ومع اندثار تلك المراحل التاريخية، فلا تزال معظم الدول تقيد حقوق الانتخاب والترشيح فى البرلمان بشرط المواطنة، أى التمتع بالجنسية. وتتنوع درجة تلك القيود من دولة الى أخرى، فبعضها يشترط التمتع بالجنسية الأصلية، أى بالميلاد ويستبعد الجنسية المكتسبة، أى عن طريق التجنس.
كذلك، فهناك تباين فى نطاق هذا القيد، حيث تشترط بعض الدول فى حاملى الجنسية الأصلية أن يكون آباؤهم وأحيانا أجدادهم متمتعين بالجنسية الأصلية أيضا، وقد يشترط البعض الآخر مرور مدة زمنية أو الإقامة المتواصلة فى الدولة بالنسبة للحاصلين على الجنسية بالاكتساب، حتى يتمتعوا ببعض تلك الحقوق أو كلها.
وتتجه الدول المعاصرة الى التخفيف من تلك القيود، لاسيما مع تبنى قيم ومواثيق حقوق الإنسان الدولية، وانتشار ظاهرة الهجرة والتوطن بين المجتمعات فى أنحاء العالم، الأمر الذى يعزز من الطبيعة الجماهيرية للبرلمان، كمجلس نيابى يمثل جميع المواطنين.
وبالإضافة الى تلك القيود التى شهدها التطور البرلمانى تاريخيا، هناك مجموعة من الشروط التى تفرضها الدول على بعض المواطنين فى ممارستهم لحقوق الانتخاب والترشيح للبرلمان، سواء بحكم وظائفهم أو لأسباب أخلاقية وقانونية. فعلى سبيل المثال، قد يتم استثناء ضباط وأفراد القوات المسلحة والشرطة من حق الانتخاب طالما كانوا فى الخدمة، مع إمكانية مباشرتهم لحق الترشيح، ثم الاستقالة فى حالة الفوز.
كذلك، فقد تضع الدول شروطا أخرى لكل من يرغب فى ممارسة حقوق الانتخاب والترشيح للبرلمان، مثل شرط النزاهة وعدم صدور أحكام جنائية نهائية مخلة بالشرف والأمانة ضده، وشرط التعليم أو إجادة القراءة والكتابة، وشرط أداء الخدمة الوطنية والعسكرية أو الإعفاء منها للترشيح لعضوية البرلمان..، وهذه شروط مشروعة ومقررة قانونا، وليست قيودا على الطابع الجماهيرى للبرلمان.

4 - وضع البرلمان فى نظام الحكم:

بالإضافة الى تطور البرلمان كمؤسسة نيابية ذات طابع جماهيرى عام، فقد اتسعت وظائفه وزادت سلطاته التى يتمتع بها، وازدهر دوره فى نظام الحكم وعملية صنع القرار.
فقد انتقل البرلمان من مرحلة كان فيها مجرد هيئة استشارية الى أن أصبح سلطة تشريعية، ورقابية، وسياسية، تفرز الحكومة ذاتها، أو تلعب دور الشريك فى صنع السياسات العامة للدولة، فضلا عن زيادة تأثيره فى المجال الدبلوماسى والدولى.

كما أن وضع البرلمان فى نظام الحكم، ولاسيما فى علاقته بالسلطة التنفيذية، هو الذى يحدد شكل الدولة ونوع نظامها السياسى ككل. وفى العالم المعاصر يوجد نوعان رئيسيان للنظم السياسية، هما النظام الرئاسى، والنظام البرلمانى، بالإضافة الى نظام الجمعية الوطنية، وهو محدود الانتشار (ومثله الحكومة السويسرية).
وليست المسألة مجرد اختلاف فى المسميات البرلمان فحسب، وإنما هناك اختلافات جوهرية فى هذه النظم السياسية، تبعا لتركيب البرلمان ووظيفته فى النظام السياسى أيضا.

ففى النظم الرئاسية ينتخب الشعب رئيس الدولة مباشرة، ويكون الرئيس هو المسئول عن السلطة التنفيذية، فيعين الوزراء ويعفيهم من مناصبهم، وبهذا يكون الفصل بين السلطتين التشريعية والتنفيذية كبيرا.

وفى النظم البرلمانية (ومنها دول ملكية مثل بريطانيا، أو جمهورية مثل الهند) تتداخل السلطتان التشريعية والتنفيذية، فتكون الأولى منتخبة مباشرة من الشعب، أما السلطة التنفيذية فتتكون من قسمين، الأول هو رئيس الدولة (الذى قد يتولى منصبه بالوراثة كالملوك والأمراء، أو بالانتخاب كما هو الحال بالنسبة لرؤساء الجمهورية)، والثانى هو رئيس الوزارة. كما يغلب، فى النظم البرلمانية كالمملكة المتحدة وإيطاليا، أن يقوم الحزب أو الائتلاف صاحب الأغلبية البرلمانية بتشكيل الوزارة، وتكون الوزارة مسئولة أمام البرلمان، الذى يستطيع حجب الثقة عنها أو عن أحد أعضائها.

بعبارة أخرى، فإن وجود البرلمان هو الخطوة الأولى لتحقيق مبدأ الفصل بين السلطات الثلاث الرئيسية فى العملية السياسية (التشريعية والتنفيذية والقضائية) حتى لا تستأثر إحداها بكل السلطات، وبحيث تقوم كل منها بموازنة ورقابة الأخرى، ومن أجل تحقيق درجة من التنسيق فيما بينها، لتوفير أكبر ضمانات ممكنة لنزاهة وسلامة صنع السياسة العامة للدولة واحترام الإرادة الشعبية.

وأهم ما يميز النظام البرلمانى أنه يوزع السلطة بين الهيئات الثلاث، التشريعية والتنفيذية والقضائية، دون أن يفصل بينهما بصفة مطلقة، وإنما يقيم تعاونا فى ممارسة بعض الاختصاصات، بما يجعل لكل هيئة تأثيرا على الأخرى، مع بقاء مبدأ المساواة والتعاون ولا سيما بين السلطتين التشريعية والتنفيذية.

فالنظام البرلمانى، إذاً، يقيم الفصل بين السلطات على التوازن والتعاون أى الفصل المشوب بروح التعاون والرقابة المتوازنة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، سواء كان مطبقا فى الدول الجمهورية أو الملكية، فهو لا يفصل بينهما فصلا شبه مطلق يرجح كفة السلطة التنفيذية، كما فى النظام الرئاسى، ولا يجعل للهيئة التشريعية الهيمنة على الهيئة التنفيذية مثل حكومة الجمعية. وعلى ذلك يقوم النظام البرلمانى على توازن السلطتين التشريعية والتنفيذية والمساواة بينهما وتعاونهما معا بقدر أثر كل منهما فى الأخرى.

ولهذا، توجد ثلاث قواعد جوهرية للنظام البرلمانى، هى: برلمان منتخب من الشعب، ورئيس دولة مستقل عن البرلمان، ووزارة مسئولة أمام البرلمان.

وهكذا، أصبح البرلمان محور النظام النيابى، يميزه عن غيره من النظم السياسية. فحتى بالنسبة للنظام الرئاسى، كالولايات المتحدة الأمريكية، فإن دور الكونجرس يتمثل أساسا فى عملية التشريع، بينما نجد أن وظيفته فى النظام البرلمانى تتعدى ذلك الى محاسبة السلطة التنفيذية، وسحب الثقة منها، فى مقابل حق السلطة التنفيذية فى حل البرلمان أيضا.

أيضا، فإن النظام النيابى يتسم بما يعرف بازدواج السلطة التنفيذية، أى أنها تتكون من قسمين، الأول هو رئيس الدولة، الذى يكون رئيس السلطة التنفيذية فى ذات الوقت، والثانى هو رئيس الحكومة، أى رئيس مجلس الوزراء.
ولهذا السبب، فإن رئيس الدولة فى النظام البرلمانى يكون مستقلا عن البرلمان، ولا يخضع لمساءلته، على خلاف الحال بالنسبة لرئيس الوزراء والوزراء، الذين تنتقل إليهم السلطة التنفيذية الفعلية. ولهذا، يقال أن الملك فى النظام البرلمانى يملك ولا يحكم.

أما فى النظام الرئاسى فإن الرئيس هو الذى يختار الوزراء ويعزلهم بإرادته المنفردة، لدرجة أنهم يعتبرون فى الولايات المتحدة مساعد أو سكرتير الرئيس.

ويتسم النظام البرلمانى، أيضا، بقدرة رئيس الدولة على حل البرلمان، إذا أصبح التعاون بينه وبين الوزارة مستحيلا، وبهذا فإنه يكفل التوازن بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، وبدونه تصير الحكومة خاضعة لسيطرة البرلمان.

ولا يوجد حق الحل فى النظام الرئاسى، فلا يستطيع رئيس الدولة فى الولايات الأمريكية أن يحل الكونجرس، ولا يملك دعوته للانعقاد، كما لا يملك الكونجرس سلطة عزل الرئيس أو اختيار الوزراء أو مساءلتهم أو حجب الثقة عنهم، فيما يعرف بأسلوب الفصل شبه التام بين السلطات.

0 Comments:

Post a Comment

<< Home